في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ بدأ جوجل تحديثاً جديداً لمكافحة السبام، وانتهى بعد نحو ثلاثة أيام، وهو الثالث من نوعه هذا العام بعد تحديثي مارس ويونيو، لم يصدر جوجل منشوراً يشرح فيه ما تغيّر، ولم يذكر نسبة المواقع المتأثرة، لكن أصحاب المواقع قالوا ما يكفي: مواقع كانت تنشر عشرات المقالات يومياً خسرت أغلب زياراتها في أيام، ومواقع أخرى تنشر بالذكاء الاصطناعي أيضاً لم تتأثر.
فما الفرق بينهما؟ هذا ما سنفهمه بدقة، لأن الإجابة الشائعة «جوجل يعاقب الذكاء الاصطناعي» خاطئة، ومن يبني عليها قراراته سيخسر مرتين.
ماذا يعني «إساءة استخدام المحتوى على نطاق واسع»؟
منذ مارس ٢٠٢٤ أضاف جوجل إلى سياسات السبام بنداً اسمه إساءة استخدام المحتوى على نطاق واسع (Scaled Content Abuse)، خلاصته أن جوجل يعاقب إنتاج صفحات كثيرة غرضها الأساسي التلاعب بالترتيب لا مساعدة الباحث، وأنها صفحات غير أصيلة قيمتها للمستخدم قليلة أو معدومة، بغض النظر عن طريقة صنعها.
العبارة الأخيرة هي المفتاح، فجوجل لا يسأل من كتب المقال، إنساناً كان أو آلة، بل يسأل سؤالين معاً:
- هل هناك كثرة؟ أي عدد كبير من الصفحات المتشابهة يُنتج بسرعة.
- هل القيمة المضافة قليلة؟ أي أن الصفحة لا تقدم شيئاً لا يجده الباحث في مصادرها.
إن اجتمع الشرطان وقع الموقع في المخالفة، وإن غاب أحدهما فلا مخالفة، موقع ينشر ألف مقال بالذكاء الاصطناعي كلها مفيدة ومدققة لا يخالف، وموقع ينشر خمسين مقالاً منسوخة بتغيير الكلمات يخالف.
أمثلة يذكرها جوجل وتتكرر في المواقع العربية
- سحب محتوى من مواقع أخرى أو من خلاصات RSS ونشره بإعادة صياغة سطحية.
- دمج فقرات من عدة صفحات في صفحة واحدة دون إضافة رأي أو معلومة.
- إنشاء مئات الصفحات لكلمات مفتاحية متقاربة، كل صفحة بمدينة أو منتج مختلف والنص نفسه.
- نشر نصوص يولّدها الذكاء الاصطناعي دون مراجعة، فيها أخطاء وتواريخ قديمة ووعود غير صحيحة.
جوجل لا يحارب الأداة، بل يحارب الكسل في استعمالها.
اختبر موقعك في دقيقة
أجب عن خمسة أسئلة بصدق عن طريقة النشر في موقعك، وسترى أين تقف من هذا التحديث:
لا تُحفظ إجاباتك ولا تُرسل لأحد، فالنتيجة تظهر لك وحدك.
لماذا سقطت مواقع وبقيت أخرى؟
حين تقارن المواقع التي خسرت بالتي صمدت تجد فروقاً واضحة، لا علاقة لها بالأداة المستعملة:
| الموقع الذي سقط | الموقع الذي صمد |
|---|---|
| ينشر كل ما يصله دون فرز | يرفض الخبر الناقص ويحجزه للمراجعة |
| يعيد صياغة المصدر جملة بجملة | يكتب بصوته ويضيف ما لا يوجد في المصدر |
| لا يحدّث القديم، فتبقى الوظائف المنتهية والعروض الملغاة | يغلق المنتهي وحده ويحدّث التواريخ |
| صفحات كثيرة متشابهة لكلمات متقاربة | صفحة واحدة قوية لكل موضوع |
| سرعة نشر ثابتة لا علاقة لها بالأخبار الفعلية | ينشر بقدر ما يحدث فعلاً |

طريقة النشر الآلي الآمن
النشر الآلي ليس ممنوعاً، وهو ضرورة لمواقع الأخبار والوظائف التي تتجدد كل ساعة، لكنه يحتاج حراسة، وهذه هي الطبقات التي تفصل الموقع الآمن عن الموقع المعاقَب:
الطبقة الأولى: فرز قبل الكتابة
لا تكتب عن كل شيء، فالخبر الذي ينقصه تاريخ أو مصدر أو شرط أساسي يُحجز للمراجعة بدل أن يُنشر ناقصاً، في مواقع الوظائف مثلاً، إعلان بلا موعد إغلاق ولا شروط تقديم يضر زائرك وموقعك معاً.
الطبقة الثانية: كتابة أصيلة لا إعادة صياغة
الفرق بين إعادة الصياغة والكتابة الأصيلة أن الأولى تغيّر الكلمات وتبقي البنية، والثانية تفهم الخبر ثم تكتبه من جديد بترتيب يناسب قارئك، مع ما يحتاجه من شرح، أدوات الكتابة الحديثة تستطيع هذا إن ضُبطت عليه، وتستطيع أيضاً قياس مدى تشابه النص مع مصدره قبل النشر.
الطبقة الثالثة: تدقيق الحقائق
الأرقام والتواريخ والأسماء هي أول ما يخطئ فيه الذكاء الاصطناعي، وهي أول ما يكتشفه القارئ، اجعل كل رقم في المقال قابلاً للتحقق من مصدره، وكل تاريخ مقارناً بتاريخ اليوم.
الطبقة الرابعة: إيقاع نشر طبيعي
خمسون مقالاً في ساعة واحدة ثم صمت يومين نمط لا يشبه أي موقع حقيقي، وزّع النشر على اليوم، واجعله مرتبطاً بما يحدث فعلاً في مجالك.
الطبقة الخامسة: صيانة دورية
راجع شهرياً المقالات التي لا تجلب زيارات، فإما أن تحسّنها أو تدمجها أو تحذفها، موقع بخمسمئة مقال جيد أقوى عند جوجل من موقع بخمسة آلاف مقال نصفها ضعيف.

مثال: موقع وظائف قبل الإصلاح وبعده
تخيّل موقع وظائف يسحب الإعلانات من عشرة مصادر، وينشر كل ما يصله فور وصوله، فيخرج منه ستون منشوراً في اليوم، نصفها مكرر لأن الإعلان نفسه نُشر في مصدرين، وربعها بلا موعد إغلاق، وعشرات الوظائف المنتهية ما زالت تظهر للزوار منذ أشهر.
هذا الموقع لا يخالف لأنه آلي، بل لأن الزائر يصل إلى صفحة لا تفيده: إعلان مكرر، أو وظيفة انتهت، أو شروط ناقصة، والإصلاح لا يعني إيقاف الأتمتة، بل إضافة ثلاث قواعد بسيطة:
- منع التكرار: الإعلان الذي نُشر من مصدر لا يُنشر مرة ثانية من مصدر آخر.
- حجز الناقص: الإعلان بلا موعد إغلاق أو شروط يذهب للمراجعة لا للنشر.
- إغلاق المنتهي: الوظيفة التي انتهى موعدها تُعلَّم «منتهية» وتخرج من القوائم تلقائياً.
النتيجة موقع ينشر عشرين منشوراً بدل ستين، لكن كل منشور فيها يستحق الزيارة، وهذا بالضبط ما يبحث عنه جوجل.
هل تأثرت بتحديث السبام أم بشيء آخر؟
أول خطوة قبل أي إصلاح أن تتأكد من السبب، فتحديثات السبام لها توقيت معلن على لوحة حالة بحث جوجل، افتح Search Console، واعرض النقرات يومياً، وابحث عن هبوط حاد بدأ بين ١٨ و٢١ أغسطس ٢٠٢٦، فإن وجدته فالأرجح أن التحديث هو السبب، وإن كان الهبوط تدريجياً على أشهر فالسبب غالباً ملخصات الذكاء الاصطناعي أو منافسون جدد.
وانتبه إلى أن هذا التحديث، بحسب ما نقلته المواقع المتخصصة، لم يستهدف الروابط ولا إساءة استخدام سمعة المواقع، فهذه لها أنظمة منفصلة، فإن كانت مشكلتك في الباكلينك فابحث عنها في مكان آخر.
أسئلة يطرحها أصحاب المواقع
هل يجب أن أكتب أن المقال مكتوب بالذكاء الاصطناعي؟
سياسات البحث لا تشترط ذلك، والمهم عند جوجل قيمة المحتوى لا طريقة كتابته، لكن الوضوح مع القارئ يبني الثقة، خاصة في المحتوى الذي يمس قرارات الناس المالية أو المهنية.
هل يستطيع جوجل اكتشاف النص الآلي؟
السؤال نفسه في غير مكانه، فجوجل لا يحتاج أن يعرف من كتب، بل يقيس هل يضيف النص شيئاً للباحث، نص آلي مدقق ومفيد يتصدر، ونص بشري منسوخ يسقط.
هل حذف مئات المقالات يضر الموقع؟
حذف المقالات الضعيفة التي لا يزورها أحد لا يضر غالباً، بل يرفع متوسط جودة الموقع، لكن لا تحذف صفحة تجلب زيارات أو لها روابط من مواقع أخرى قبل أن تنقل قيمتها بتحويل إلى صفحة قريبة منها.
إن كان موقعك قد تأثر بالفعل
- لا تحذف كل شيء دفعة واحدة، بل ابدأ بأضعف المقالات زيارةً وجودة.
- أوقف النشر الآلي غير المراجَع فوراً حتى تنتهي من الإصلاح.
- حسّن أهم عشرين صفحة أولاً، فهي التي كانت تجلب أغلب زياراتك.
- انتظر التحديث القادم، فالتعافي من تحديثات السبام لا يحدث في يوم، وقد يحتاج أشهراً.
- سجّل كل تغيير تجريه وتاريخه في ملف بسيط، حتى تعرف بعد التحديث القادم أي الإصلاحات أثمرت وأيها لم يغيّر شيئاً، فتبني قراراتك القادمة على دليل لا على تخمين.
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي ليس عدو موقعك، والنشر الآلي ليس جريمة، ما يعاقب عليه جوجل هو المعادلة التي تجمع الكثرة مع القيمة القليلة، فإن كسرت أحد طرفيها بالمراجعة والإضافة والصيانة كنت في الجهة الصحيحة من التحديث القادم، وليس من هذا التحديث فقط.
سؤالي لك
هل تأثر موقعك بتحديث أغسطس؟ وكم مقالاً كان ينشر يومياً قبله؟ وإن كنت تستعمل أداة نشر آلي، فما الطريقة التي تراجع بها المحتوى قبل نشره؟ شاركني في التعليقات، فتجاربكم تفيد كل من يقرأ بعدك أكثر مما يفيده أي تقرير.













